منتدى الإعلام السوداني
مديحة عبدالله
الخرطوم، 11 يونيو 2025 (مركز الألق للخدمات الصحفية) – لا يكاد يخطئ بصر مواطن في السودان منظر أكياس البلاستيك الكئيب وهي تلتف حول أغصان الأشجار وأسوار المنازل، وتتناثر في الشوارع بفعل الرياح والأمطار، لتصبح جزءاً مشوهاً من المشهد اليومي. هذا الخطر البيئي والبصري ليس سوى قمة جبل الجليد، حيث يمتد تأثير البلاستيك ليطال صحة الإنسان ويهدد الثروة الحيوانية، وسط صراع مصالح يعرقل أي محاولة جادة للتصدي لهذه الأزمة المتفاقمة.
الآثار الصحية والبيئية على المواطن السوداني
تتجاوز أضرار البلاستيك في السودان التلوث البصري لتصل إلى تهديدات صحية وبيئية خطيرة. فوفقاً لدراسات علمية، تحتوي المواد البلاستيكية على أكثر من 3,200 مادة كيميائية خطرة قد تؤثر سلباً على صحة الإنسان. وتشمل الآثار المحتملة للتعرض لهذه المواد، تلف الجهاز العصبي وانخفاض الخصوبة وأمراض القلب والأوعية الدموية وخلل في وظائف الهرمونات بالإضافة إلى زيادة مخاطر الإصابة بسرطان الكبد والرئة.
وعلى الصعيد البيئي، يشير عثمان محمد أحمد، الأمين العام لجمعية البيئيين بكمبالا، إلى أن النفايات البلاستيكية تتسبب في موت العديد من الكائنات الحية البرية والبحرية والمحاصيل. ويوضح: “في السودان، تأكل الماعز المواد البلاستيكية مما يؤدي إلى موتها، كما تشكل هذه النفايات طبقة عازلة تمنع النبات من استمداد الغذاء من التربة، وتطفو على سطح الماء لتكون بيئة خصبة للطفليات الضارة بالإنسان والحيوان”.
صراع المصالح: لماذا فشلت قوانين حظر البلاستيك؟
برغم خطورة الوضع، باءت كل المحاولات لفرض حظر على أكياس البلاستيك في السودان بالفشل. جرت محاولات في ولايات مختلفة لوضع قوانين تحظر استخدامها، لكنها اصطدمت بعقبات كبيرة، أبرزها صراع المصالح.
ففي مفارقة تكشف حجم المشكلة، ساند وزير البيئة الأسبق ملاك مصانع البتروكيماويات التي تصل استثماراتها إلى 200 مليون دولار. ووفقاً لإحصاءات سابقة، يوجد في السودان أكثر من 100 مصنع و3 آلاف ورشة لإنتاج البلاستيك، تستوعب آلاف العمال.
وقد فشلت قرارات الحظر لأسباب متعددة، منها نفوذ أصحاب المصانع اللذين مارسوا ضغوطاً كبيرة لإفشال قرارات الحظر. إلى ذلك، تراخت حكومات الولايات في اتخاذ الإجراءات اللازمة لتطبيق قرار الحظر نسبة لاعتماد إيراداتها على الضرائب والجبايات التي تتحصل عليها من مصانع البلاستيك.
ولكن غياب البدائل وعدم توفرها أدى إلى ارتفاع أسعار الأنواع الأخرى من الأكياس المتوفرة في السوق وعجز المواطنين عن شرائها. يضاف إلى ذلك تهاون الجهات المختصة عن محاسبة المخالفين وفرض عقوبات رادعة، مما سمح باستمرار تدفق الأكياس البلاستيكية إلى الأسواق.
وقد شهد عام 2018 إطلاق حملة قومية للقضاء على التلوث البلاستيكي، حيث كشفت إحصاءات رسمية حينها عن انتشار نحو 180 ألف طن من المواد البلاستيكية التي تشكل أحد أكبر الملوثات البيئية في البلاد، لكن الحملة فشلت في تحقيق أهدافها.
الحلول المقترحة
يطالب الخبراء بضرورة فرض رقابة صارمة على إنتاج الأكياس البلاستيكية وإيجاد حلول جذرية. ويرى عثمان محمد أحمد أن “إدارة النفايات البلاستيكية تتطلب التزاماً صارماً، إما بالمنع الكامل أو بالالتزام بتدويرها، فهما أنجع طريقتين حتى الآن”.
ويقترح العودة إلى استخدام البدائل التقليدية مثل “القفة” و”المخلاية” لتفادي استخدام الأكياس البلاستيكية. كما يشدد على أهمية سن قوانين رادعة وتعميمها على كل ولايات السودان، مستشهداً بالتجربة قصيرة الأمد في ولاية القضارف التي حاولت منع استخدام البلاستيك منعاً باتاً لكنها تراجعت عن تطبيق القانون.
تأتي الأزمة في السودان في وقت يتجه فيه العالم نحو مواجهة شاملة لهذا الخطر. ففي اليوم العالمي للبيئة (5 يونيو)، يسعى المجتمع الدولي إلى وضع حد للتلوث البلاستيكي. وتجري حالياً مفاوضات بين 175 دولة لصياغة معاهدة عالمية ملزمة قانوناً لإنهاء التلوث البلاستيكي في كل مرحلة من مراحل دورة حياته، من التصنيع إلى التخلص منه.
فقد أصبح التلوث البلاستيكي أزمة عالمية، حيث تم العثور على جزيئات بلاستيكية دقيقة في أعمق نقطة في المحيط (خندق ماريانا) وعلى أعلى قمة جبلية في العالم (قمة إيفرست). ورغم الاستخدامات الهامة للبلاستيك، فإن المنتجات غير الضرورية منه تلوث كوكبنا مسببة سلسلة من المشاكل التي يسعى العالم اليوم لحلها، وهو ما يجب أن يكون دافعاً للسودان لتجاوز الصراعات الداخلية والمشاركة بفعالية في هذا الجهد العالمي.
ينشر منتدى الإعلام السوداني والمؤسسات الأعضاء فيه هذه المادة من إعداد “مركز الألق للخدمات الصحفية” في إطار التوعية بتداعيات الحرب في البلاد. يأتي ذلك في ظل استمرار النزاع لأكثر من 26 شهراً، وما خلّفه من أزمة إنسانية حادة تتمثل في إنهيار الخدمات الأساسية وتفشي الأوبئة والأمراض.




