تضييق وعودة قسرية .. كسلا تحارب النازحين

منتدى الإعلام السوداني

كسلا، 2 مايو 2026- (شبكة عاين) –  وسط مركز إيواء يفتقد إلى أبسط مقومات الحياة بمدينة كسلا شرقي السودان، قضت مروة محمد وأسرتها ثلاث سنوات؛ وهي تكافح في معارك يومية مع تجربة نزوح قاسية، حُرمت خلالها من كل شيء، ورغم قسوة واقعها الحالي؛ فهي تواجه شبح الإعادة القسرية إلى منزلها في العاصمة الخرطوم الذي غادرته بسبب الحرب.

ولم تكن مروة، وهو إسم مستعار، التي تحدثت مع (عاين)، ترغب في العودة إلى العاصمة الخرطوم في الوقت الحالي، لأن منزلها مُدمر ونُهبت جميع محتوياته؛ ولا مكان لها للإقامة، فضلاً عن سماعها عن سوء الأحوال المعيشية في الخرطوم وسط نقص وغياب الخدمات الأساسية مثل مياه الشرب والكهرباء والخدمات العلاجية في بعض الأحياء السكنية.

مروة ليست الوحيدةا، فهناك آلاف النازحين في مدينة كسلا يواجهون مصير الإعادة القسرية إلى مناطقهم التي نزحوا منها في الخرطوم والجزيرة وسنار؛ بعدما بدأت السلطات في الحكومة التي يقودها الجيش في تفكيك بعض المخيمات ومراكز الإيواء في كسلا، ضمن مخطط يهدف إلى عودة جميع النازحين، وفق شهادات جمعها مراسل (عاين).

وبحسب الشهادات، فإن الإعادة القسرية شملت النازحين القادمين من إقليم دارفور، غربي السودان، الخاضع إلى سيطرة قوات الدعم السريع، كما يعانون بشدة مع تراجع الاهتمام الرسمي بالنازحين ومضايقتهم ووقف كثير من الإعانات، بما يدفع الكثيرون إلى المغادرة نحو الخرطوم والجزيرة في أواسط السودان هرباً من الواقع الصعب الذي برز في كسلا.

خطة حكومية

ولدى السلطات الحكومية في السودان، خطة معلنة ترمي إلى إعادة النازحين واللاجئين في الخارج إلى العاصمة الخرطوم بغرض تعميرها، وذلك بعد مضي حوالي عام على استعادة الجيش السيطرة عليها. وطوال الفترة الماضية كانت عودة السكان طواعية إلى منازلهم ضعيفة، نسبة لصعوبة الأوضاع والحياة.

ومع تضييق واسع يتعرض له النازحون في كسلا بغرض إعادتهم قسرياً إلى الخرطوم، تستعيد مروة محمد ذكريات نزوحها لأول مرة من الخرطوم تحت النيران إلى ود مدني؛ ومرة أخرى من ود مدني إلى كسلا في شرق السودان؛ وما تخلل ذلك من مآسيَ ولحظات قاسية؛ تكافح الآن من أجل نسيانها.

تروي مروة أن السلطات الحكومية أخلتهم بالقوة الجبرية وبطريقة مهينة من أحد المدارس كانوا يستغلونها كمركز لإيواء النازحين في كسلا، وصاحب العملية تهديد وعنف وضرب لمدة يومين؛ وبعد ذلك توجهت إلى مخيم غرب مطار كسلا ومكثت فيه لمدة 6 أشهر، فلاحقتها السلطات هناك وتلقوا إخطاراً بإخلاء المعسكر أيضاً بحجة أن الأرض ملك لشخص، وأن الحكومة لا ترغب في وجود نازحين داخل المدينة، حسب وصفها.

إبعاد قسري

وواصلت مروة التنقل داخل مدينة كسلا وهي تقيم الآن في معسكر (مصنع البصل) بكسلا، وتواجه شبح الإبعاد القسري مجدداً، وسط تصاعد مخاوفها من نقلها قسراً إلى العاصمة الخرطوم.

المخاوف نفسها، تسيطر على رؤية آدم – اسم مستعار لنازحة بكسلا- التي تخشى هي الأخرى؛ من إعادتها قسراً إلى الخرطوم بعد حملة تضييق تشنها السلطات الحكومية في كسلا على النازحين، حيث اضطرت للتنقل داخل المخيمات ومراكز الإيواء في المدينة لعدة أشهر بسبب هذه المضايقات.

عند وصولها إلى كسلا قادمة من ولاية الجزيرة التي نزحت إليها من الخرطوم؛ أقامت رؤية آدم في إحدى المدارس المخصصة كمركز لإيواء النازحين؛ فتم إخلاؤهم قسرياً إلى مخيم غرب مطار المدينة؛ والذي تم إخلاؤه أيضاً، واستقر بها المقام في معسكر آخر داخل كسلا يسمى “معسكر الكرامة” بحسب حديثها مع (عاين).

ولم يمض طويلاً على إقامتها في معسكر الكرامة، طلبت منها السلطات الحكومية التسجيل في كشوفات العودة الطوعية إلى الخرطوم، هي وجميع النازحين المقيمين معها في هذا المعسكر.

تقول روية إنها اضطرت للتسجيل للعودة إلى الخرطوم، رغم أن وضعها لا يسمح بذلك. فزوجها مريض، وكل ممتلكاتهم نُهبت، كما أن منزلهم في الأساس كان بالإيجار، ولا تملك الآن مكانًا تعود إليه. تضيف أنها ستعود، لكنها لا تعلم إلى أين ستذهب، خاصة وأن لديها أطفالًا يحتاجون إلى الرعاية والاستقرار.

حملات متواصلة

من جهتها، تروي أم محمد، وهي نازحة من نيالا بولاية جنوب دارفور في كسلا، معاناتها مع حملات حكومية مستمرة في المدينة تهدف إلى إخلاء المعسكرات من النازحين.

وتقول أم محمد خلال مقابلة مع (عاين) إنها واجهت ما لم تراه من قبل. كلمات مهينة وسلوكيات مزعجة، وكان التعامل معها قاسياً من قبل حكومة ولاية كسلا التي أخلتهم إلى مخيم غرب المطار؛ ومن ثم لاحقتهم هناك بسيارة محملة بمسلحين طالوبهم بمغادرة المخيم الجديد.

وبعد مضايقات شديدة اضطرت أم محمد للانتقال إلى مركز إيواء (مصنع البصل) في مدينة كسلا، ومع ذلك لم تتوقف الملاحقات، تضيف “في كل المراكز التي أقمت فيها تم إخلاء النازحين بالقوة الجبرية؛ وصاحب ذلك عنف شديد وتهديد متواصل؛ كان العساكر والمسلحون يهددوننا باستمرار”.

وكشفت أم محمد أن عدد من المسؤوليين الحكوميين في ولاية كسلا بينهم أمين ديوان الزكاة ووكيل نيابة ومسؤول الرياضة، زاروا مركز الإيواء الذي تقيم فيه؛ وجمعوا النساء النازحات وأبلغوهن بضرورة إخلاء المعسكر والعودة إلى مناطقهم الأصلية بحجة أن الوضع أصبح آمناً؛ كما شدد المسؤولون بأن الذين لا يرغبون في العودة يجب أن يجدوا مكاناً آخر غير مراكز الإيواء للإقامة فيه، وأعقب ذلك إخلاء قسري للمخيم بواسطة سيارات عسكرية، مصحوباً بعنف شديد.

هذه الملاحقات والتضييق الحكومي وإخلاء معسكر غرب المطار، أصبح العديد من النازحين في العراء؛ حيث لجأت نحو 55 أسرة نازحة إلى معسكر (مصنع البصل)، وهم يقيمون حالياً عند بوابته، بينما خرج آخرون إلى ضاحية (ريبا) في المدخل الغربي لمدينة كسلا، وهم يقيمون في ظلال بنايات تحت التشيد؛ وسط ظروف إنسانية معقدة ويقدر عددهم بحوالي 156 أسرة، بينما تبقت نحو 120 أسرة في معسكر الكرامة؛ وفق ما رصده مراسل (عاين).

نزوح متكرر

تروي فاطمة آدم – اسم مستعار-، تجربتها منذ وصولها إلى كسلا، حيث تعرضت للنزوح داخلياً ثلاث مرات، كانت المرة الأولى من المدرسة إلى معسكر غرب المطار، ثم قبل أيام من رمضان، نزحت مرة أخرى إلى معسكر الكرامة في مصنع البصل بحي بات في كسلا.

تشير فاطمة التي تحدثت مع (عاين) إلى أن حكومة ولاية كسلا كانت تحذرهم باستمرار بأنها لا ترغب في وجود نازحين من الخرطوم، وأضافت أن النازحين تلقوا أوامر بالتسجيل للعودة الطوعية إلى الخرطوم، وهو ما وصفته بأنه سلوك قسري.

وتوضح أنها لا ترغب في العودة إلى الخرطوم؛ لأن منزلها هناك نُهب، وانهارت أجزاء كبيرة منه بسبب قذيفة مدفعية “دانة”؛ كما أن زوجها يعمل في الأعمال الحرة بكسلا، ما جعلها تشعر بالأمان نسبياً في المكان الحالي؛ أكثر من غيره.

وتشير أيضاً إلى صعوبة بناء منزل جديد نظراً لارتفاع تكاليف البناء وقلة فرص العمل للعاملين في المهن الحرة، مما يزيد من صعوبة العودة إلى الخرطوم.

بعد فض معسكر غرب المطار، شعرت فاطمة بالخوف من الأوامر الجديدة بإخلاء معسكر الكرامة.

وبما أن فاطمة كانت شاهدة على الطريقة العنيفة التي تم بها فض المعسكر السابق، خشيت على سلامتها وسلامة أطفالها، مما دفعها إلى اتخاذ قرار العودة إلى الخرطوم، لكنها تؤكد أنها لم تفعل ذلك طوعاً، بل مجبرة على ذلك.

ومن المدخل الغربي لمدينة كسلا في منطقة ريبا؛ تروي نازحة أخرى تحدثت مع (عاين) عن حجم المعاناة التي يعيشونها مع الملاحقات الحكومية المستمرة؛ وهي أصبحت بلا حيلة؛ كونها لا تستطيع العودة إلى منزلها في إقليم دارفور المضطرب؛ كما لا تملك خياراً للسكن في الخرطوم، بينما تواصل السلطات في كسلا التضييق عليها.

وتقول “تم منحنا مهلة قليلة لإخلاء المعسكر؛ مع منح الطلاب مهلة إضافية، فنحن نواجه مصيراً مجهولاً. لا نملك المال لإيجار سكن في المدينة. فقد تم إيقاف جميع المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها لنا المنظمات، مما تسبب في تفاقم الوضع الإنساني، وحاولت مجموعة من النازحين التواصل مع مفوضية العون الإنساني للحديث حول أوضاعهم كونهم قادمين من مناطق غير آمنة، لكن دون جدوى”.

وأوضحت هذه النازحة التي طلبت حجب اسمها بسبب الوضع الأمني؛ أن السلطات الحكومية في كسلا سحبت 20 عربة تنكر مياه كانت تخدم النازحين بمياه الشرب، كما أزالت الخيام والمنازل داخل المخيمات؛ مستخدمة القوة المفرطة ضد النازحين في كل هذه العمليات؛ لافتة إلى أن مفوضية العون الإنساني، وهي الجهة المسؤولة، عن النازحين ظلت صامتة إزاء كل هذه الممارسات والانتهاكات بحق النازحين في كسلا.

مصير مجهول

وتقول هذه النازحة “نواجه نحن النازحين في كسلا خاصة القادمين من دارفور مصيرا مجهولا؛ بعد أن غادر بعض النازحين من الولايات الأخرى في إطار ما يسمى بالعودة الطوعية إلى الولايات الآمنة”؛ وأضافت أنهم حالياً من بين القلائل الذين لا يعرفون ماذا سيحدث لهم، مشيرةً إلى شعورهم بالضياع وعدم اليقين؛ وعبرت “نحن الآن جالسين في المعسكر وما عارفين مصيرنا شنو”.

الشعور ذاته، ينتاب أماني، وهي نازحة قادمة من الفاشر وصلت إلى كسلا، وتقول خلال مقابلة مع (عاين) “نشعر بقلق شديد بعدما تم إخطارنا بضرورة إخلاء المعسكر الذي نقيم فيه، أين نذهب؟ نزحنا من دارفور هربًا من الحرب، وجدت الأمن هنا، واعتقدت أن كسلا جزء من السودان، فكيف يتم إخلاؤنا بحجة أن الحكومة لا تريد نازحين؟ أين نذهب؟”.

وتتابع أماني أنها إذا تم إخلاء المعسكر، فتضطر للذهاب إلى أقرب شجرة لتقيم تحتها، معبرة عن الخطر والضياع الذي يواجههم كنازحين في كسلا.

بدوره؛ أكد متطوع في كسلا أن عمليات التسجيل للعودة الطوعية استمرت لمدة شهر كامل، مشيراً إلى أن أول الرحلات غادرت كسلا متجهة إلى الخرطوم في 13 أبريل الماضي، حاملة عدد كبيراً من النازحين الذين عادوا قسراً، وما تزال العمليات مستمرة.

ينشر منتدى الإعلام السوداني والمؤسسات الأعضاء هذه المادة من إعداد (شبكة عاين) لتعكس أوضاع النازحين في ولاية كسلا. وتشير المعلومات التي رصدتها المادة إلى أن أكثر من 150 أسرة عاشت صراعا مع الحكومة المحلية في كسلا التي اتخذت إجراءات غير إنسانية لتجفيف معسكرات النزوح إلى أراضيها، إذ ترغب حكومة كسلا في تجفيف معسكرات النزوح بحجة استتباب الأمن في العاصمة الخرطوم.

تقول نازحة وصلت إلى كسلا قادمة من دارفور: “نواجه مصيرا مجهولا؛ بعد أن غادر بعض النازحين من الولايات الأخرى مدينة كسلا في إطار ما يسمى بالعودة الطوعية إلى الولايات الآمنة”.

Scroll to Top