ناجيات من (الجنينة) .. قصص مروعة عن الحرب والهروب والإنتهاكات

منتدى الإعلام السوداني

أمل يحي

الجنينة، 16 اغسطس 2025، (شبكة إعلاميات) –    شهادات صادمة ومروعة ترويها ناجيات من أحداث الجنينة، عاصمة ولاية غرب دارفور، التي عاشت أحداثًا دامية منذ سنوات، لم تتعاف منها بعد. المدينة التي ظلت تشهد معارك وحروب مستمرة وسلسلة من المجازر والهجمات العنيفة، وسقوط العديد من الضحايا من النساء والأطفال، وحركات نزوح واسعة . لكن تاريخ الخامس عشر من ابريل 2023 سجل أحداثاً ومآسي كانت الأكثر قسوة على الإطلاق .

في مسيرة الهروب ماتت طفلتي على ظهري

” كانت الأوضاع هادئة بالمدينة في يوم 15 ابريل 2023، فقد بثت تطمينات من قوات الجيش وقوات الدعم السريع بالإتفاق بعدم إشعال الحرب ب(الجنينة) ” . بهذه الكلمات حكت (م. ابكر) والتي تسكن بحي المدارس بالقرب من سوق المدينة قائلة : ” كنت استعد للذهاب إلى السوق لشراء بعض المستلزمات للإفطار، وكانت الأوضاع هادئة، لكن عند  خروجي سمعت أصواتًا  كنت اعلمها جيداً، فهذه ليست المرة الأولى فقد شهدت الكثير من الحروب والمعارك بدارفور منها حرب 2003 . واضافت : ” كنت أقيم في حي المدارس الذي يبعد أمتاراً قليلة من سوق الجنينة.. كنا نسأل (ماذا يحدث؟ ) ” . قالت : إزدادت أصوات المدافع والقذائف، أصوات صراخ تعلو .. وفجأة دخل علينا أفراد من مليشيات الدعم السريع وقاموا بضربنا، ومن هنا تفرقنا كأسرة. كنت أنا وأبي وبناتي التوأم، وفاطمة ابنتي الكبرى مع أمي، هربنا مسرعين نحو الحدود السودانية التشادية في مسيرة  يومين كاملين. وفي الطريق كانت الجثث مبعثرة، رجالًا وأطفالًا ونساءً.

وتواصل (م. أبكر) روايتها : ولم تكن حالنا بافضل من تلك الجثث فقد كنت أحمل إحدى بناتي على ظهري والثانية على كتفي . وفجأة سقطت قذيفة (دانة) بالقرب منا، بعد دقائق نهضت والدماء تغطي جسدي كله. نظرت حولي وجهة أبي، كان مصاباً وقطعت إحدى يديه، وابنتي على ظهري اصيبت أيضاً. مرت لحظات حتى استوعبنا أن ما حدث. كنت خائفة على بناتي، ساعدت أبي ومعنا مجموعة من الأطفال والنساء، واصلنا الركض نحو الحدود، فنحن نعلم الطريق جيدًا، فهذه ليست المرة الأولى التي نسير فيها عليه . تقول : ” قبل أن نصل توفيت ابنتي فوق ظهري ولم أكن أعلم ” . كان هناك مصابين في الطريق إلى جانب جثث يطلبون المساعدة ولكن، كلنا نريد الفرار والنجاة بحياتنا.

وتابعت: عندما وصلنا الحدود، وجدنا مجموعة من المسلحين، كانوا يضربوننا ويقتلون الرجال والأطفال من الذكورأمام أعيننا، كانوا يقولون: ” رجالكم وين؟ احنا بنقتل أي راجل من المساليت، والجنينة دي تكون حقتنا” . وتقول ليس هناك قهر وحزن أكثر من ذلك، لماذا ؟ ألأننا من إثنية معينة ؟ ما حدث في الجنينة كان استهداف لإثنية المساليت وهي جريمة حرب وإبادة جماعية .

قتلوا إبني وزوجي أمامي واصابوا إبتتي

مروة محمد، أم لأربعة أطفال وربة منزل، تقطن (حي الجمارك)، تروي عن ذلك اليوم : ” شعرت بالخوف لذلك لم نتحرك مع أبنائي وزوجي، مكثنا داخل المنزل لأيام، وبعدها سمعنا أصوات الجيران وتحديدًا أصوات النساء يستنجدن .. هنا كنت واثقة تمامًا أن نهاية حياتنا قد حانت.. طلبت من أبنائي أن ينطقوا بالشهادة.. بعد نصف ساعة، فتح بابنا كنا نختبئ تحت الأسرة .. فقاموا بإطلاق نار كثيف ” . وتروي مروة في شهادتها : طالبونا بالخروج إلى فناء المنزل، خرجنا، فقاموا بإطلاق النار على زوجي وإبني الأكبر (15 عام) أمامي وبناتي. طلبوا مني النقود والذهب، وأخبرتهم أني لا أملك شيء، فقاموا بضربي أنا وبناتي وتفتيش المنزل وهددوني بالقتل.. ثم أطلقوا علينا النار وأصابوا إبنتي الوسطى (10 سنوات)، برجلها اليمنى.

وتضيف في حديثها: ” أحداث الجنينة، وتحديداً (حي الجبل)، شاركت فيه نساء .. قاموا بضرب النساء وسرقة الذهب والممتلكات من المنازل، نعرفهم جيداً لأننا نقطن في حي واحد .. وعند فرارنا، كن يضحكن ويزغردن، ورجالهم يقتلون الرجال ويغتصبون النساء والفتيات “.

وتكمل : ” تركنا جثتي زوجي وإبني في فناء المنزل وفررنا نحو الحدود خوفاً من إغتصاب بناتي .. كنا نسمع على الطريق صراخ الأطفال، نرى جثث لأشخاص أغلبها لرجال وشباب وأطفال ذكور” .

الدعم السريع إرتكب مجزرة في (اردمتا) تحولت لحرب أهلية

قالت فاطمة أبكر، معلمة من (حي أردمتا) : عندما بدأت الأحداث في الجنينة كنا بعيدين عنها، ولكن بعد مقتل الوالي خميس عبدالله أبكر في يونيو، أشار علي أخي بعد مشاهدة الفيديو مقتل الوالي بالمغادرة إلى تشاد فوراً، فالدعم السريع ومليشياته قادمون لا محال لوجود قيادة الفرقة العسكرية في (أردمتا). وأضافت : لكن الأوضاع لم تكن آمنة، حيث سيطرت قوات الدعم السريع على المدينة وقامت بنهب الممتلكات والأسواق والمستشفيات. وبعدها بيومين هاجمت تلك القوات المدينة، فكانت مجزرة دامية، بعد إندلاع الاشتباكات بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع، والتي تحولت إلى حرب أهلية بين مجموعة “المساليت” والمجموعات العربية في مدينة الجنينة. قالت : ” سمعنا بأن قوات الدعم السريع والمليشيات المتحالفة معها ستهجم على الأحياء والمعسكرات، فقررنا الخروج في نفس اليوم.. لكنها كانت تحاصر (أردمتا) من أربعة اتجاهات في ليلة بائسة .. مرت علينا ساعات ونحن نفر من مكان لآخر طلبا للخروج لكن كانت الطرق جميعها مغلقة .. وفي الصباح بدأ الهجوم  بسيارات وخيول ومواتر، كانوا يقتلون الرجال والأطفال الذكور، وآخرين يصورون مشاهد الأحداث.. قاموا بتعذيب الرجال وقتلوهم بطرق وحشية طوال ذلك اليوم .. اغتصبوا عدد كبير من فتياتنا، بينهن إبنتي القاصرة. كانوا يقولون لنا أين رجالكم؟ أين هم الآن؟ ونحن نغتصبكم ؟ ويضحكون بأصوات عالية.. وكان أغلبهم ثملين، فلا يمكن لشخص أن يقتل أشخاصاً بالطرق الوحشية تلك وهو على وعي ” .

وتكمل فاطمة روايتها : بعد يوم هدأت الأوضاع فخرجنا سيراً على الأقدام لأربعة أيام وصولاً إلى الحدود التشادية نحو (ادري). تقول :  ” كنت أبحث عن أمي وأخواتي، وجدت بعضهم وأخبروني بأن أبي قتل أمام المنزل. وأخي الأصغر حتى الآن مفقود .. لقد تفرقنا “.. وأضافت : إحدى المنظمات قدمت الدعم النفسي لإبنتي عند وصولنا الحدود، ولكنها حتى الآن تعاني، أحيانا تصرخ ليلاً بأصوات عالية، أقوم بتهدئتها، ولكنها نفسياً اصبحت غير سوية.

كنت حاملاً.. قيدوني وضربوني بعصاة

قالت مريم عبدالله، ناشطة حقوقية ومدافعة عن حقوق المرأة : ” كنت حاملاً في منزلي بالجنينة عند هجوم قوات الدعم السريع، تم تقييدي بحبل وضربي بعصا.. شهدت إغتصابات في طريق عام. ورأيت جثثًا في الطريق، وفقدت العديد من أفراد عائلتي، زوجي الحافظ يوسف يحي، وابني ابي إبراهيم عبدالله آدم، وإبنة خالي خديجة شرف الدين حامل ب9 أشهر، جميعهم مفقودين .. هربت بصعوبة وإبنتي وأختي، وأنا حامل في 6 أشهر، هربنا نحو تشاد سيراً على الأقدام. وفي طريقنا وجدنا مجموعة من الصعوبات من الدعم السريع، يقولون :  “أنتم زرقا، نوبة، عبيد، مساليت”، ألفاظ بذيئة وإساءات. وصلنا تشاد بعد 3 أيام” .

قال : كانت رؤية جثث النساء والأطفال ترعبني، تم قتل زميل زوجي خاطر جمعة أمامي.. وصلت إلى تشاد ولم أجد مساعدة كافية من المنظمات، وكانت تجربة صعبة للغاية. تحولت حياتنا كلها إلى مسار حزين وكئيب، ولم نجد أبسط مقومات الحياة، من مأوى وطعام والرعاية الصحية الكافية، رغم أنني حامل .

تقارير دولية داعمة للروايات

قالت المتحدثة باسم مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان إن المقابلات التي أجريت مع الفارين من (الجنينة) إلى (ادري) في تشاد، كشفت وقائع مروعة عن قيام ميلشيا “عربية” مدعومة بقوات الدعم السريع بقتل الفارين من المدينة سيراً على الأقدام.

وفي ذات السياق قال آدم محمد رجال رئيس المنقسية العامة لمعسكرات النازحين واللاجئين بدارفور، ل(شبكة إعلاميات)، نشبت الأزمة في الجنينة في نهاية عام 2023، مما أدى إلى نزوح واسع النطاق للسكان. لا تتوفر إحصائيات دقيقة حول عدد النساء الناجيات، ولكن تشير التقديرات إلى أنهن قد يشكلن نسبة كبيرة من الناجين، ربما حوالي 70%، نظرًا للخسائر الكبيرة في صفوف الذكور .

شهدت الجنينة انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، بما في ذلك القتل العمد، القتل خارج نطاق القانون، الإغتصاب، الحرق، الاختطاف والتعذيب. هذه الانتهاكات كانت فظيعة ومروعة، وتركت آثارًا عميقة على السكان.

وتعاني النساء الناجيات من صدمات نفسية شديدة بسبب المعاناة والانتهاكات التي تعرضن لها. خاصة في مراكز الإيواء والمعسكرات في تشاد، حيث يعشن في ظروف صعبة ويحملن ذكريات مؤلمة عن الأحداث التي شهدنها. وتوزع الناجيات من الجنينة على مناطق متعددة، حيث توجه بعضهم إلى شرق تشاد، بينما بقي البعض الآخر في دارفور.

أعراض نفسية متعددة ظهرت على الناجيات والأطفال

د. منى رحمة الله على نائب اخصائي قالت: شهدت منطقة الجنينة انتهاكات جسيمة خلال الحرب، هذه الإنتهاكات ليست فقط جرائم حرب، بل تُخلّف آثاراً نفسية عميقة على الناجين والمجتمع ككل. وأوضحت ملاحظة خلال جلساتها مع الناجيات من الجنينة، ظهور أعراض متعددة، بما في ذلك: إضطراب الكرب التالي للصدمة (PTSD) وأعراض مثل التذكر القهري للتعذيب، الكوابيس، فرط اليقظة، وتجنب الأماكن/الأشخاص المرتبطين بالصدمة. فضلاً عن الإكتئاب الشديد نتيجة لفقدان الأطفال أو ذويهن، والشعور بالعجز وفقدان الأمل، والذي قد يصل إلى السلوك الانتحاري في بعض الأحيان.

وتضيق د. مني، القلق الوجودي خاصة لدى الأطفال الذين فقدوا آباءهم دون تفسير أو الذين قتلوا آباءهم أمام أعينهم. وكذلك من أثر الترويع على الأطفال، التبوّل اللاإرادي، صعوبات النطق، والرهاب الاجتماعي.

هذه الأعراض تظهر مدى تأثير الإنتهاكات على الصحة النفسية للناجين، وتبرز الحاجة إلى دعم نفسي متخصص لمواجهة تلك التحديات.

ينشر منتدى الإعلام السوداني والمؤسسات الأعضاء هذه المادة من إعداد (شبكة إعلاميات) لتسليط الضؤ على ما وقع من إنتهاكات جسيمة على المدنيين في مدينة (الجنينة) غرب دارفور، خلال الحرب الدائرة، وعلى النساء بشكل خاص وتأثير ذلك على حياتهن وصحتهن النفسية، ومدى ما وجدنه من دعم من عدمه .  

Scroll to Top