سركاب.. حكايات من داخل مقبرة الأحياء

منتدى الإعلام السوداني

الخرطوم، 29أبريل 2026 ، (سودان تربيون) – في واحدة من أكثر صور الاعتقال قسوة خلال الحرب في السودان، يبرز اسم “معتقل جبل سركاب” بوصفه مكانا ارتبط في ذاكرة الناجين بالموت البطيء والانتهاكات الممنهجة. هناك، تتكشف حكايات متشابهة في تفاصيلها ومختلفة في وجوه أصحابها، لكنها جميعًا تلتقي عند حقيقة واحدة: معاناة إنسانية قاسية تجري بعيدًا عن الأنظار.

وتشير تقارير حقوقية إلى أن ممارسات التعذيب وسوء المعاملة داخل أماكن الاحتجاز تُعد من أخطر الانتهاكات المرتبطة بالنزاعات المسلحة، خاصة عندما تقترن بالإخفاء القسري وغياب المساءلة. ويؤكد مختصون أن هذه الانتهاكات لا تقتصر آثارها على الضحايا المباشرين، بل تمتد لتشمل أسرهم والمجتمع ككل، في ظل تحديات كبيرة تواجه جهود التوثيق والمحاسبة، لا سيما مع صعوبة الوصول إلى أماكن الاحتجاز أو التحقق من المعلومات بشكل مستقل.

الدفن اليومي

قال (م.أ)، معتقل سابق قضى ثلاثة أشهر داخل المعتقل، إن أكثر ما يطارده حتى الآن هو مشهد الدفن اليومي، موضحًا أنهم كانوا يُجبرون على دفن الذين يموتون تحت التعذيب أو بسبب الجوع والمرض، حيث كان عدد الجثامين يتراوح يوميًا بين سبعة وثمانية، وقد يزيد في بعض الأيام بشكل كبير.

وأضاف أن الجثث كانت في كثير من الأحيان متحللة، وأنهم كانوا يحفرون القبور في أرض صخرية بأدوات بدائية، قبل أن يُفاجأوا في اليوم التالي بنبش الكلاب لتلك القبور، ما يضطرهم لإعادة دفنها مرة أخرى. كما أشار إلى شح الطعام واستمرار الضرب والتعذيب بشكل يومي.

عام الجحيم

وذكر (ع.ن)، وهو معتقل سابق أمضى عامًا كاملًا في سركاب، أن التجربة كانت “خارج كل ما هو إنساني”، مشيرًا إلى أن الموت كان حاضرًا بشكل يومي، وأن المعتقلين اعتادوا على مشاهد الدفن.

وذكر لـ (سودان تربيون) أن الانتهاكات شملت الاغتصاب الذي كان يتكرر بحق الرجال والنساء، في ظل حالة من الخوف الدائم وغياب أي قدرة على الاعتراض، إلى جانب العزلة التامة عن العالم ومنع الزيارات.

رحلة الاعتقال

وروى (خ.ع)، معتقل سابق، تفاصيل اعتقاله، موضحًا أنه أُوقف في أحد الارتكازات أثناء توجهه إلى منطقة كرري، قبل أن يُقتاد إلى موقع يُعرف بـ“المزرعة”، حيث خضع للتحقيق لعدة أيام.

وأضاف لـ (سودان تربيون) أنه نُقل لاحقًا إلى معتقل جبل سركاب، حيث تعرض منذ لحظة وصوله لاعتداء عنيف أدى إلى كسور في كتفه وساقه، دون تلقي أي علاج. وأشار إلى أن أوضاع الاحتجاز داخل العنابر كانت قاسية، حيث الاكتظاظ الشديد الذي اضطر بعض المعتقلين للنوم واقفين، فيما يقضي آخرون حاجتهم أمام الجميع، في مشهد بالغ الإذلال.

صرخات الليل

وقال (خ.ع) إن المعتقلين كانوا يسمعون صرخات النساء خلال الليل، في ظل تعرضهن لانتهاكات، مؤكدًا أنهم كانوا عاجزين عن التدخل. كما أشار إلى تعرضه لتعذيب قاسٍ شمل التقييد والصعق بالكهرباء لساعات طويلة، ما أدى إلى تدهور حالته الصحية.

طفل ضحية

وأضاف في حديثه لـ (سودان تربيون) أن من بين المعتقلين طفلًا لم يتجاوز السادسة عشرة، تعرض لتعذيب متكرر قبل أن يفارق الحياة، في حادثة تركت أثرًا بالغًا لدى من كانوا معه.

جوع وإهمال

وأشار إلى أن الجوع كان سمة أساسية داخل المعتقل، حيث كان المحتجزون يتقاسمون كميات ضئيلة جدًا من الطعام، إلى جانب انتشار الأمراض نتيجة انعدام النظافة والرعاية الصحية، مؤكدًا أنه لم يتمكن من الاستحمام طوال فترة احتجازه.

وفاة صامتة

وفي السياق، أفاد شهود في حديثهم لـ (سودان تربيون) بأن محمد كمال حسن، البالغ من العمر 17 عامًا، توفي داخل المعتقل بعد تعرضه للجوع والإهمال، دون أن تتمكن أسرته من زيارته أو معرفة مصيره إلا بعد أيام من وفاته.

بحث مستمر

من جانبها، قالت أسرة محمد أحمد يوسف (68 عامًا) لـ (سودان تربيون) إنه تم اعتقاله من سوق الشجرة بالخرطوم، ومنذ ذلك الحين لم تتمكن من تحديد مصيره، مشيرة إلى تلقيها روايات متضاربة بشأن مكان احتجازه أو وفاته، ما دفعها لاعتباره ضمن المختفين قسريًا، مع مطالبتها بالكشف عن الحقيقة.

انتهاكات جسيمة

وقال عضو المكتب التنفيذي لمجموعة محامو الطوارئ، محمد صلاح الدين، إن الوقائع الموثقة تكشف عن “نمط واسع ومنهجي من الانتهاكات الجسيمة” التي ترقى إلى مستوى الجرائم الدولية، بما في ذلك الجرائم ضد الإنسانية، بالنظر إلى طبيعتها المنظمة واتساع نطاقها واستهدافها المباشر للمدنيين.

وأوضح أن هذه الانتهاكات تبدأ بالاعتقال التعسفي خارج أي إطار قانوني، ثم تتطور إلى إخفاء قسري، غالبًا ما تصاحبه عمليات تضليل متعمدة وتقديم إفادات متناقضة بشأن مصير الضحايا، في ما وصفه بـ“سياسة لطمس الحقيقة وتعطيل المساءلة”.

وأشار إلى أن خطورة هذه الأفعال تتجلى في التعذيب الممنهج والعنف الجنسي والتجويع والحرمان من الرعاية الصحية، وهي ممارسات تؤدي—بحسب قوله—إلى الوفاة داخل أماكن الاحتجاز، سواء نتيجة القتل البطيء أو التصفية المباشرة.

وأضاف أن تكرار الوفيات دون تحقيق، إلى جانب دفن الضحايا في مقابر جماعية سرية، يشكل “جريمة مركبة تهدف إلى إخفاء الأدلة وحرمان الأسر من معرفة مصير ذويها”.

ودعا إلى فتح تحقيقات مستقلة وشاملة، تشمل تأمين مواقع المقابر الجماعية، وحفظ الأدلة، وتحديد هويات الضحايا، ومساءلة جميع المتورطين، بما يضع حدًا للإفلات من العقاب.

آثار نفسية

من جانبها، قالت الخبيرة في الشأن الاجتماعي د. نجلاء عبد المحمود إن الآثار النفسية والاجتماعية التي يعاني منها الناجون من معتقلات التعذيب الممنهج تمثل “جرحًا عميقًا ومتعدد الأبعاد”، يمتد تأثيره من الفرد إلى أسرته ومجتمعه.

وأوضحت أن الناجين يعانون من اضطرابات نفسية مركبة، أبرزها اضطراب الكرب التالي للصدمة المعقد، نتيجة التعرض الطويل للتعذيب، وهو ما يظهر في الكوابيس والذكريات المؤلمة والعزلة الاجتماعية وفقدان الاهتمام بالحياة.

وأضافت أن هذه الحالات تصاحبها مشاعر الخوف والذنب والغضب، إلى جانب صعوبات في النوم والتركيز، وقد تتطور إلى اكتئاب وقلق مزمن، فضلًا عن أعراض جسدية مرتبطة بالتعذيب.

تعافٍ صعب

وأكدت أن آثار التعذيب تمتد إلى تفكك الروابط الأسرية وفقدان الثقة، إلى جانب التهميش الاجتماعي والصعوبات الاقتصادية، مشيرة إلى أن الخوف المستمر يمنع كثيرًا من الناجين من الاندماج في المجتمع أو طلب المساعدة.

وشددت على أن التعافي يتطلب دعمًا شاملاً يجمع بين الرعاية النفسية والاجتماعية والاقتصادية، بما يشمل العلاج النفسي، والتمكين الاقتصادي، وتهيئة بيئة اجتماعية داعمة.

واختتمت بالقول إن تعافي الناجين عملية طويلة ومعقدة، تقوم على إعادة بناء الثقة بالنفس وبالآخرين كشرط أساسي لأي تعافٍ حقيقي.

تعكس هذه الإفادات واقعًا إنسانيًا بالغ القسوة داخل معتقل سركاب، حيث تتكرر أنماط الانتهاكات وتتشابه معاناة الضحايا، وبين من نجوا بشهاداتهم ومن لا يزال مصيرهم مجهولًا، تبقى هذه الروايات محاولة لكشف ما يجري خلف الجدران.

ينشر منتدى الإعلام السوداني والمؤسسات الأعضاء فيه هذه المادة من إعداد (سودان تربيون) لتعكس بعض الانتهاكات التي صاحبت الحرب، ومن بينها الاعتقال في ظروف بالغة السوء لنساء ورجال وأطفال.

تتناول المادة إفادات شهود تعرضوا للاعتقال في معتقل سركاب، وهناك واجهوا صنوفا من التعذيب تصل إلى الموت. يقول الشهود الذين عاشوا التجربة إن معاناة إنسانية قاسية كانت تجري بعيدا عن الأنظار.

Scroll to Top