“شبكات الوهم” : المساعدات الإنسانية تحت حصار التضليل الاعلامي

تحقيق يكشف كيف تستغل شبكات الاحتيال الرقمي حاجة اللاجئين السودانيين للمساعدات الإنسانية عبر صفحات وروابط مزيفة على وسائل التواصل الاجتماعي تنتحل صفة المنظمات الدولية وتستدرج الضحايا لتدفعهم إلى الوقوع في فخ النصب والاحتيال.

منتدى الإعلام السوداني

رحاب فضل السيد

الخرطوم، 21 يونيو 2026, (مركز الألق للخدمات الصحفية) –     رسالة عبر تطبيق واتساب أدخلت السيدة “هادية” في خسائر مالية ونفسية كبيرة، أخبرها المرسل بأنه سوداني يتبع لمبادرة تقدم الدعم للاجئيين السودانيين بمصر، وحتى تتم عملية تسليم هذا الدعم فإن عليها إرسال مبلغ 350 جنيهاً مصرياً باسمها وذات المبلغ باسم أطفالها ليصبح مجموع المبلغ 700 جنيه مصري وقد حدث.

“هادية 47 عاماً” لاجئة سودانية تعيل ستة من الأبناء بعد اختفاء زوجها، وصلت إلى مصر في العام 2025 بعد قضاء أكثر من عامين داخل السودان في مناطق تسيطر عليها قوات الدعم السريع. تعمل “هادية” عاملة منزل تتقاضى أجرة يومية لاتتجاوز 200 جنيه، يساعدها في هذا الحِمل ابنها الذي يتكفل بسداد فاتورة الإيجار الشهري للسكن. بدأت قصة “هادية” مع الوقوع في فخاخ النصب والاحتيال عند تلقيها رسالة عبر تطبيق واتساب من مُرسِل يدّعي تبعيته لمبادرة خيرية دون أن يسميها.

قالت محدثتي إن أسلوب الجاني المغلف بمعاني الإنسانية جعلها تثق فيه حتى قامت بتحويل المبلغ إلى رقم محفظة إلكترونية مع الوعد بتسليمها كسوة لها ولأبنائها الستة. ذهبت “هادية” في ذات المكان والزمان المحددين لتكتشف أنه لاتوجد أي مبادرة تقدم كسوة للاجئيين في هذا المكان، قامت بالاتصال على صاحب الرقم إلا أنه لم يستجب، كررت الإتصال عليه من رقم هاتف مختلف ليخبرها بأن زمان ومكان التسليم قد تغيّر وعليها متابعة الأمر مع موظف آخر، وبدوره طلب منها الموظف الجديد تحويل مبلغ 2000 جنيه مصري مقابل تسريع ملفها في المبادرة المزعومة.

تحقق رقمي

عادةً يستخدم المحتالون أسماء جهات دولية ومنظمات معروفة لإضفاء المصداقية، مثل برنامج الغذاء العالمي WFP، مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين UNHCR، ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة يونسيف UNICEF. حلّلت مُعدة التحقيق خمسة مجموعات مزيفة على تطبيق “فيس بوك”، ركاكة المضمون والأخطاء الإملائية الفادحة الظاهرة حتى على إسم المجموعة وتعليقات المتابعين التي تشكك في صحة المضمون، أكبر دليل يقود إلى كشف الحقيقة. تضم هذه المجموعات أكثر من 500 ألف متابع، أربع من هذه المجموعات تم إنشاؤها بعد الحرب في السودان خلال عامي 2024 و 2025 بحسب ماظهر في البحث حول شفافية الصفحة، تنشط هذه المجموعات في نشر أخبار مضللة وتستخدم شعارات رسمية لمنظمات حقيقية لجعل الرسالة تبدو أصلية تماماً، تستخدم هذه الصفحات أساليب ضغط قوية وتدعو الضحايا للاستعجال ودفعهم للتصرف بسرعة، بعد كسب ثقتهم وصولاً إلى مرحلة طلب تحويل الأموال.

خلال شهر رمضان الماضي (فبراير 2026) انتشرت مجموعة من الصور تظهر موظفين يتبعون للهلال الأحمر وهم يفرغون شاحنة محملة بكراتين المواد الغذائية، وقد تداولت هذه الصور عشرات الحسابات والمجموعات المزيفة مصحوبة بنص مكتوب يزعم وصول مساعدات رمضان ويدعو للتسجيل والتواصل عبر الماسنجر الخاص، وأجرت مُعدة هذا التحقيق عملية تحقق رقمي باستخدام تقنية البحث العكسي للصور عبر خدمة Google Images  لتكشف النتائج أن الصور مضللة، إذ يعود تأريخ أول نشرلها إلى 25 أكتوبر 2024 وكانت توثق عملية توزيع مساعدات إغاثية على الحدود السورية اللبنانية. ويعتبر هذا الأسلوب واحد من أكثر آليات التضليل شيوعاً، إذ تعتمد شبكات الاحتيال على إعادة تدوير صور قديمة واستخدامها في سياقات مختلفة لإيهام المتابعين بمصداقية منشوراتها واستقطاب أكبر عدد من المتفاعلين والضحايا المحتملين.

نماذج لأسماء مجموعات على “فيس بوك”

الرقماسم المجموعة (كماهو)تأريخ الإنشاءعدد المتابعينالبلد الذي تدار منه
1منظمة الغذا العالمي لدعم الاسر في السودان  مايو 2025أكثر من 69 ألفالسودان
2اخبار المفوضية السامية لشؤون اللاجئين  يناير 2025أكثر من 158 ألفتم إخفاء الموقع
3الغذا العالمي لدعم الأسر في السودان (WFP)  ديسمبر 2024أكثر من 76 ألفالسودان
4مراقبه وتقييم شركاء برنامج الغذاء العالمي  مايو 2022أكثر من 149 ألفاليمن
5منظمة اليونسيف  أكتوبر 2024أكثر من 16 ألفسوريا

المال ليس هدفاً

يبدو أن الجهات التي تعمل على التضليل في مجال المساعدات الإنسانية لها أهداف أخرى أبعد من الحصول على المال، كما يظهر في هذا النموذج الذي تعرضت له واحدة من الضحايا. تقول “أماني 36 عام” وهي لاجئة سودانية بمصر إنها قامت بالتواصل عبر الواتساب مع واحد من الأرقام المرفقة في منشور بمجموعة على “فيس بوك” باسم برنامج الغذاء العالمي، عرضت “أماني”نيتها التسجيل للحصول على مساعدات، طلب محدثها معلومات مثل الاسم، العنوان، عدد أفراد الأسرة، رقم حساب، اسم صاحب الحساب، وقامت بإرسالها بالفعل لتتلقى رسالة نصها (الحمد لله تم التسجيل في المنظمة القطرية بنجاح) وأخبروها أن اكتمال عملية التسجيل تحتاج إلى رقم تواصل عبر تطبيق “إيمو” لإجراء محادثة فيديو ثم إستلام المساعدات النقدية.

هادية وأماني وغيرهن من آلاف اللاجيئات واللاجئيين الذين يتابعون مجموعات الفيس البوك المزيفة ويعتمدون عليها في متابعة أخبار مفوضية شؤون اللاجئين والمنظمات التي تقدم خدمات التعليم والصحة للاجئيين.

برنامج الغذاء العالمي يحذّر

أظهرت نتائج استبيان شمل ثلاثين شخصا من اللاجئين السودانيين بمصر، 87% منهم سيدات، أن برنامج الغذاء العالمي يحتل المرتبة الأولى في قائمة المنظمات التي يكثر استخدام اسمها وشعارها في عمليات النصب والاحتيال الإلكتروني. وكانت إجابة 11 من الثلاثين إنهم تعرضوا لنصب إلكتروني باسم برنامج الغذاء العالمي، وبناء على ذلك خاطبنا قسم الاتصال بالبرنامج عبر خطاب رسمي بالبريد الإلكتروني مستفسرين عن حقيقة توثيقه لحالات احتيال أو انتحال شخصية أو إساءة استخدام اسمه أو شعاره أو هويته، والتدابير القانونية والفنية ضد الأفراد أوالجماعات التي تستغل اسم البرنامج، والاستراتيجيات التي يستخدمها لمكافحة المعلومات المضللة، إلا أنه لم يتسنى لنا الحصول على رد من برنامج الغذاء العالمي حول هذا الموضوع حتى نشر التحقيق.

لكن بالبحث عبر المصادر المفتوحة وجدنا تحذيرات وتنبيهات متكررة منشورة على المنصات الرسمية للبرنامج تحذر من تداول روابط مزيفة على تطبيقات “فيس بوك وواتساب” تدّعي أنها من (WFP). ويؤكد البرنامج أن جميع خدماته مجانية ولا يفرض رسوماً مقابل تقديم المساعدات الإنسانية. وقال تحذير صادر عن برنامج الغذاء العالمي (WFP) في السودان إنه يواجه تزايداً ملحوظاً في عدد الحسابات والمجموعات المزيفة على فيسبوك التي تنتحل صفة المنظمة، حيث تُشكل هذه الحسابات المزيفة خطراً على ثقة الجمهور، وقد تُساهم في نشر معلومات مضللة. ولمعالجة هذه المشكلة، طرح البرنامج آلية جديدة تقوم على توظيف متطوعين ناطقين باللغة العربية عبر الإنترنت للمساعدة في الإبلاغ عن هذه الحسابات إلى فيسبوك/META وحذفها.

خطر الخوارزميات

وبالرجوع إلى تحليل هذه الظاهرة يعزي الدكتور آدم أحمد آدم عميد كلية الآداب بجامعة أم درمان الأهلية، الخبير في التربية الاعلامية ومكافحة التضليل، أسباب إنتشار الشائعات حول المساعدات الإنسانية إلى شح المعلومات من الجهات الرسمية التي يتسبب غيابها في ترك فراغ معلوماتي تملأه الشائعات. ومع ظروف الحرب أصبحت أخبار المساعدات الإنسانية من الأخبار المهمة التي يتداولها المواطنون ويصدقونها بسرعة نسبة للظروف الصعبة التي يعيشها الناس في مناطق الحرب لأن مثل هذه الأخبار تبعث فيهم الأمل، بجانب صعوبة التحقق من المعلومات مع إنتشار وسائل التواصل الاجتماعي. ويشير الدكتور آدم إلى وجود جهات سياسية وإقتصادية وراء هذه الشائعات تنشط في تحريك السوشيال ميديا لتحقيق مكاسب تخصها لعلمها التام بأن تكرار مثل هذه المعلومات وسط مجتمعات بسيطة يؤدي إلى تصديقها.

كما يؤكد آدم أن الحرب لها تأثيرها في إنتشار الأخبار المضللة بسبب الحالة النفسية للمواطنين وغياب المعلومات الرسمية بسبب انقطاع شبكات التواصل في مناطق واسعة من البلاد الأمر الذي يجعل الجهات المضللة تستغل هذه الظروف وتقوم بإنشاء صفحات بأسماء منظمات إنسانية كبيرة معروفة تتصيد المواطنين عبر روابط بغرض جمع المعلومات والابتزاز المالي. ونبهإلى أن الخطر يكمن في خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي التي صُممت لتعزيز إنتشار أي محتوى يحقق معدلات تفاعل كبيرة بغض النظر عن دقته، ويقول إن الخوارزميات تساهم بشكل كبير في نشر التضليل من خلال كثافة النشر والمشاركة والإعجاب في المحتوى المتعلق بالتضليل في مجال العمل الإنساني.

خسائر مالية ونفسية

وكشفت نتائج الاستبيان الذي أجرته معدة التحقيق عن أن 16  شخص من بين 30 تعرفوا على هذه الجهات المضللة عبر تطبيق فيس بوك وقروبات الواتساب، والبقية تعرفوا على هذه الجهات عبر حملات فردية، وبخصوص طريقة الدفع كشفت النتائج أن أكثر من 65% قاموا بتحويل الأموال عبر أرقام حساب لأشخاص، و20% منهم تحويل بنكي، و13% عبر محفظة إلكترونية. واكتشف 12 من أصل 30 الاحتيال عبر التجربة الشخصية و8 منهم عن طريق إبلاغ من شخص آخر و 4 نتيجة تحذير من جهة رسمية. وكانت نتائج التضليل التي حدثت للمواطنين الذين شملتهم الاستمارة 10 منهم تعرضوا لخسارة مالية مباشرة، و16 منهم تأثروا نفسياً، و13 منهم فقدوا الثقة في هذه المنظمات.

قانون جرائم المعلوماتية

يجرّم قانون مكافحة جرائم المعلوماتية السوداني لسنة 2018 تعديل 2020 كافة أساليب الاحتيال الإلكتروني من أجل الحصول على الأموال، حيث نصت المادة 12 البند 1 على أن (كل من يتوصل بسوء قصد عن طريق شبكة المعلومات أو الإتصالات أو أي من وسائل المعلومات أو الإتصالات أو التطبيقات، إلى خداع أي شخص بأي وجه، بغرض الحصول لنفسه أو لغيره على مال أو صك أو سند أو بيانات أو معلومات أو أي فائدة أو حمله على توقيع أي سند أو إجراء أي معاملة إلكترونية، يعاقب بالسجن لمدة لا تجاوز سبع سنوات أو بالغرامة أو بالعقوبتين معاً. ونصّ البند 2 على: (من يقوم بأي من الأفعال المنصوص عليها في البند 1 للمرة الثالثة، يعاقب بالسجن لمدة لاتجاوز تسع سنوات أو بالغرامة أو بالعقوبتين معاً).

وفي ذات الاتجاه كشف المحامي المتخصص في شؤون الهجرة واللاجئين وحقوق الانسان بمصر أشرف ميلاد عن تبليغه مفوضية شؤون اللاجئين بمصر عن حالة نصب واحتيال قبل عامين قام فيها الجاني وهو لاجئ سوداني، بشراء شريحة اتصالات وتسجيلها على تطبيق Truecaller ليظهرعلى هواتف المستهدفين باسم المفوضية وطلب منهم أموال، وعن حجم انتشار هذه الظاهرة بأسبابها المختلفة قال المحامي أشرف إنه في كل ثلاثة شهور ترد إليه حالة نصب إلكتروني وبلغت حالات النصب التي قام بتبليغها لدى المفوضية 30 حالة خلال العشرة سنين الأخيرة.

روابط تحذيرات صادرة من برنامج الغذاء العالمي

https://www.wfp.org/careers/fraudulent-job-offers?utm_source=chatgpt.com

روابط صفحات مزيفة على تطبيق “فيس بوك”

https://www.facebook.com/groups/1738578037079431?locale=ar_AR

https://www.facebook.com/groups/1007303981220783?locale=ar_AR

https://www.facebook.com/groups/8434706609968473?locale=ar_AR

https://www.facebook.com/groups/952192105476253?locale=ar_AR

https://www.facebook.com/groups/889767129775873?locale=ar_AR

ينشر منتدى الإعلام السوداني والمؤسسات الأعضاء هذه المادة من إعداد (مركز الألق للخدمات الصحفية) مدعومة بالبيانات، للكشف عن تصاعد عمليات الاحتيال الإلكتروني التي تستهدف اللاجئين السودانيين عبر صفحات ومجموعات مزيفة تنتحل أسماء وشعارات منظمات معروفة، وتعزيز الوعي بذلك. ويبين التحقيق كيف تُستخدم المعلومات المضللة والصور القديمة وروابط التواصل لاستدراج الضحايا إلى تحويل الأموال أو تسليم بياناتهم الشخصية .

Scroll to Top